ابن كثير
19
البداية والنهاية
فحضروا بين يديه وأمر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون . فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال هرقل : أما الشام فلا شام ، وويل للروم من المولود المشئوم . ومما قيل من الاشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو : ألم ترنا على اليرموك فزنا * كما فزنا بأيام العراق وعذراء المدائن قد فتحنا * ومرج الصفر . . . على العتاق فتحنا قبلها بصرى وكانت * محرمة الجناب لدى النعاق قتلنا من أقام لنا وفينا * نهابهم بأسياف رقاق قتلنا الروم حتى ما تساوى * على اليرموك معروق الوراق فضضنا جمعهم لما استجالوا * على الواقوص بالبتر الرقاق ( 1 ) غداة تهافتوا فيها فصاروا * إلى أمر يعضل بالذواق ( 2 ) وقال الأسود بن مقرن التميمي : وكم قد أغرنا غارة بعد غارة * يوما ويوما قد كشفنا أهاوله ( 3 ) ولولا رجال كان عشو غنيمة * لدى مأقط رجت علينا أوائله لقيناهم اليرموك لما تضايقت * بمن حل باليرموك منه حمائله فلا يعد من منا هرقل كتائبا * إذا رامها رام الذي لا يحاوله وقال عمرو بن العاص : القوم لخم وجذام في الحرب * ونحن والروم بمرج نضطرب فإذن يعودوا بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة : ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء ، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم : ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم ؟ قالوا : بلى . قال : فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا : بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن . قال : فما بالكم تنهزمون ؟ فقال شيخ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون
--> ( 1 ) في معجم البلدان : على الواقوصة البتر الرقاق . ( 2 ) الأبيات في معجم البلدان 5 / 354 ( الواقوصة ) . ( 3 ) أهاوله : الزينة والنقوش والتصاوير .